الجنيد البغدادي
86
السر في انفاس الصوفية
ثالثا : الحالة العلمية : عاش الإمام الجنيد عصرا على جانب كبير من الخصوبة العلمية ، فالحركة العلمية فيه كانت أنشط حركة شهدتها العصور الإسلامية ، لأنه عصر بداية النضح والتكوين الحقيقي للعلوم ، فقد تكاثرت فيه قضايا البحث في العلوم المختلفة لتنشىء العلوم المستقلة أو تثريها ، فكانت الأساس لما تفخر به الحضارة الإسلامية من علوم وثقافة إلى الآن . ويرجع الفضل في ذلك كله إلى الإسلام ، الذي حمل لواءه العرب إلى معظم بقاع العالم القديم ، وهو يدعو إلى العلم ، وكان في ذاته علما يمحو به الله ظلمات الجهل . ثم يأتي العصر العباسي ، وهو ما نهتم به ، لأنه عصر الجنيد ، والعصر العباسي يتميز بالمميزات التالية : تدوين العلوم ، أو بتعبير أدق : كثرة التدوين وتنظيمه ؛ والاستفادة بالعلوم الأجنبية عن طريق الترجمة . وقد بدأت هذه الظاهرة في القرن الثاني : فنرى ابن جريج بمكة ، وبالمدينة « مالك بن أنس » مع الموطأ ، والأوزاعي بالشام ، وابن أبي عروبة ، وحماد بن سلمة بالبصرة ، وسفيان الثوري في الكوفة ، وابن إسحاق مع مغازيه ،